الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي

265

محجة العلماء في الأدلة العقلية

لا يلزم في الركون إلى الأصول في الموارد المجهولة محذور وهذا بالنسبة إلى ما لا يحتمل النقيض من البديهيّات حتى في زمان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم والأئمة عليهم السّلام واما بالنسبة إلى ما بمنزلته من الأصول المعتبرة في حال الانفتاح كالأصول اللّفظية الراجعة إلى اصالة عدم المانع التي هي الاستصحاب عندنا فإنما يتم بالشكّ والوسوسة في ان الكتاب العزيز من باب خطاب المشافهة وان كلّما كان من هذا القبيل ككثير من الاخبار ليس حجّة الا لمن قصد افهامه به واما بالنسبة إلى الصدور فحيث ان الأصل فيه العدم والقطع لا سبيل إلى توهّمه غالبا لعاقل فان ما يتمّ الكلام فيه باثبات عدم حجيّة الاطمينان ذاتا وجعلا أو عدم حصوله غالبا ثم بعد ذلك لا بد من ابطال جميع ما استدلّوا به على حجية خبر العدل تعبّدا أو منع وجوده بمقدار الكفاية فيما بأيدينا بانضمام الأدلة القطعيّة وهذه المقدمة هي العمدة والأصل الثانية ان الانسداد الكلى المدّعى لو فرض والعياذ باللّه لا يوجب ارتفاع التكليف وليس من لا سبيل له إلى معرفة النواميس الالهيّة بوجه من الوجوه بمنزلة البهائم لا وظيفة له أصلا وان لم يكن له إلى العلم والعرفان سبيل وحاصل الكلام ان من اطلع في صدر الاسلام على حقية الدين وظهور خاتم النبيين صلى اللّه عليه وآله وسلّم وان دينه ناسخ لجميع الأديان ولكنه لم يطلع بعد على ما جاء به بوجه من الوجوه أو للطلع على بعضه ولم يطلع على البعض الآخر بنحو من الانحاء فهل يجب عليه التعرض للموارد المجهولة بوجه من الوجوه والتعبد فيه بأصل أو ظن أم ليس عليه شيء بل يحرم عليه التعبد بما لا سبيل له اليه ولا بد من اثبات الوظيفة في هذه الصّورة على وجه من الوجوه والّا لم ينتج حجيّة الظن المطلق وقد اشتبه الامر في هذا المقام كالمقام السّابق على جماعة ولم يميّز بعضهم هذه المقدمة عن المقدّمة الثالثة فتصدى لابطال الرّجوع إلى اصالة البراءة والعدم وتوهّم آخرون ان عدم التعرض للتعبّد في جميع ما لا علم فيه بوجه الوجوه حتى بالأصل خروج عن الدّين ولم يتفطن انّ هذا فرع للثبوت بوجه من الوجوه والمفروض عدمه نعم لا ريب في ان النّاس في هذه الاعصار لم يبلغ بهم الحال إلى أن يخرجوا عن زمرة المكلفين ويدخلوا في زمرة البهائم والمجانين وهذا من اجلى الواضحات وأوائل الضروريات لكنه ليس الّا لان اعلام النبوّة ليست منطمسة والدّين ثابت والنواميس معروفة معلومة غالبا وان وقع الشّك في اقلّ قليل والحاصل ان باب العلم مفتوح بالضرورة فالاعراض عما ثبت بالادلّة المثبتة خروج عن الدين ومخالفة لما هو معلوم عند المسلمين لكنّه لو فرض والعياذ باللّه ما توهم من الانسداد وكون الآيات والاخبار بمنزلة القياس والاستحسان وتساوى الظنون في مرحلة الاعتبار الموجب لاشكال خروج القياس فلا سبيل إلى اثبات بقاء التكليف بل من المعلوم خلافه فكون الاعراض عن أكثر الوقائع وترك التعرض للامتثال والتعبد فيها رأسا خروجا عن الدين من أقوى البراهين على الانفتاح لا انه من مقدمات هذا البرهان وإلى ما حققنا ينظر جميع ما صدر عنهم في هذا المقام قال الصّدوق قدّس سرّه بعد ما ذكر اخبار السهو فلو جاز ردّ هذه الأخبار الواردة في هذا الباب لجاز ردّ جميع الأخبار وفيه ابطال الدين والشّريعة انتهى فان محصّله انه لا اشكال في انّ الدّين لم يبطل بانسداد سبيل الاطلاع عليه بل هو محفوظ مصون ومن المعلوم ان عمدة السّبيل اليه على مذهب أهل الحقّ ما وصل إليهم من أئمتهم عليهم السّلام فلو لم يكن طريق إلى الاطلاع على أقوالهم وكنا محجوبين عمّا صدر عنهم عليهم السّلم